العيني
106
عمدة القاري
أي : آلى من نسائه ، أي بسبب نسائه ومن أجلهن . قوله : ( في مشربة ) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الراء وضمها : وهي الغرفة . وقيل : هي أعلى البيت ، شبه الغرفة . وقيل : الخزانة ، وهي بمنزلة السطح لما تحتها . قوله : ( من جذوع النخل ) جمع جذع ، بكسر الجيم وسكون الذال وجمعه جذوع وأجذاع ، قاله ابن دريد . وقال الأزهري في ( التهذيب ) : ولا يتبين للنخلة جذع حتى يتبين ساقها . وفي ( المحكم ) : الجذع ساق النخلة . قوله : ( جالساً ) حال . وقوله : ( وهم قيام ) جملة اسمية حالية ، والقيام جمع قائم أو مصدر بمعنى اسم الفاعل . قوله : ( إنما جعل الإمام ) كلمة : إنما ، للحصر لأجل الاهتمام والمبالغة ، والمفعول الثاني لقوله : جعل ، محذوف تقديره : إنما جعل الإمام إماماً ، والمفعول الأول قائم مقام الفاعل . قوله : ( ليؤتم به ) أي ليقتدى به ويتبع أفعاله . قوله : ( إن صلى قائماً فصلوا قياماً ) مفهومه : إن صلى قاعداً يصلي المأموم أيضاً قاعداً ، وهو غير جائز ، ولا يعمل به لأنه منسوخ لما ثبت أنه في آخر عمر صلى قاعداً وصلى القوم قائمين . فإن قلت : جاء في بعض الروايات : ( فإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً ) . قلت : معناه : فصلوا قعوداً إذا كنتم عاجزين عن القيام مثل الإمام ، فهو من باب التخصيص ، وهو منسوخ كما ذكرنا . قوله : ( إن الشهر ) : اللام ، فيه للعهد عن ذلك الشهر المعين ، إذ كل الشهور لا يلزم أن تكون تسعاً وعشرين . ذكر استنباط الأحكام منه : منها : جواز الصلاة على السطح وعلى الخشب لأن المشربة بمنزلة السطح لما تحتها ، والصلاة فيها كالصلاة على السطح ، وبذلك قال جمهور العلماء . وكره الحسن وابن سيرين الصلاة على الألواح والأخشاب ، وكذلك روي عن ابن مسعود وابن عمر رضي ا تعالى عنهم ، رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح ، وذكره أيضاً عن مسروق أنه : كان يحمل لبنة في السفينة ليسجد عليها ، وحكاه أيضاً عن ابن سيرين بسند صحيح . ومنها : أن فيه مشروعية اليمين ، لأنه عليه الصلاة والسلام ، آلى أن لا يدخل على نسائه شهراً . ومنها : أن الشهر لا يأتي كاملاً دائماً ، وإن من حلف على فعل شيء أو تركه في شهر كذا ، وجاء الشهر تسعاً وعشرين يوماً ، يخرج عن يمينه ، فلو نذر صوم شهر بعينه فجاء الشهر تسعة وعشرين يوماً لم يلزمه أكثر من ذلك ، وإذا قال : علي صوم شهر من غير تعيين ، كان عليه إكمال عدد ثلاثين يوماً . ومنها : ما احتج أحمد وإسحاق وابن حزم والأوزاعي ونفر من أهل الحديث : أن الإمام إذا صلى قاعداً يصلي من خلفه قعوداً . وقال مالك : لا تجوز صلاة القادر على القيام خلف القاعد لا قائماً ولا قاعداً . وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأبو ثور وجمهور السلف : لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد إلاَّ قائماً . وقال المرغيناني : الفرض والنفل سواء . والجواب عن الحديث من وجوه . الأول : إنه منسوخ ، وناسخه صلاة النبي عليه الصلاة والسلام ، بالناس في مرض موته قاعداً وهم قيام ، وأبو بكر رضي ا تعالى عنه ، قائم يعلمهم بأفعال صلاته بناء على أن النبي عليه الصلاة والسلام ، كان الإمام وأن أبا بكر كان مأموماً في تلك الصلاة . فإن قلت : كيف وجه ذا النسخ وقد وقع في ذلك خلاف ، وذلك أن هذا الحديث الناسخ وهو حديث عائشة فيه أنه كان إماماً وأبو بكر مأموماً ؟ وقد ورد فيه العكس كما أخرجه الترمذي والنسائي عن نعيم بن أبي هند عن أبي وائل عن مسروق ( عن عائشة قالت ؛ صلى رسول الله في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعداً ) . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح . وأخرجه النسائي أيضاً عن حميد عن أنس قال : ( آخر صلاة صلاها رسول الله مع القوم ، صلى في ثوب واحد متوشحاً خلف أبي بكر رضي ا تعالى عنه ) . قلت : مثل هذا ما يعارض ما وقع في الصحيح ، مع أن العلماء جمعوا بينهما ، فقال البيهقي في ( المعرفة ) : ولا تعارض بين الحديثين ، فإن الصلاة التي كان فيها النبي ، إماماً هي صلاة الظهر يوم السبت أو الأحد والتي كان فيها مأموماً هي صلاة الصبح من يوم الاثنين ، وهي آخر صلاة صلاها رسول ا ، حتى خرج من الدنيا . قال : هذا لا يخالف ما ثبت عن الزهري عن أنس في صلاتهم يوم الاثنين ، وكشفه الستر ثم إرخائه ، فإن ذلك إنما كان في الركعة الأولى ، ثم إنه وجد في نفسه خفة فخرج فأدرك معه الركعة الثانية . وقال القاضي عياض : نسخ إمامة القاعد بقوله : ( لا يؤمَّنَّ أحد بعدي جالساً ) . وبفعل الخلفاء بعده ، وإنه لم يؤم أحد منهم قاعداً . وإن كان النسخ لا يمكن بعد النبي فمثابرتهم على ذلك تشهد بصحة نهيه عن إمامة القاعد بعده . قلت :